هي البضعة النبوية الثالثة أم كلثوم بنت سيد ولد آدم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب , أمها خديجة بنت خويلد ,كان عتيبة بن أبي لهب قد تزوج بأم كلثوم قبل البعثة فلم يدخل عليها حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم , فأمره أبوه بفراقها لما أنزل الله تعالى { تبت يدآ أبي لهب } قال له أبوه أبو لهب : رأسي من رأسك حرام ، إن لم تطلق ابنته ، ففارقها ولم يكن دخل بها ، فلم تزل بمكة مع أبيها عليه الصلاة والسلام وأسلمت حين أسلمت أمها ، و بايعت رسول الله مع أخواتها حين بايعه النساء ، و هاجرت إلى المدينة ، فلم تزل بها ، و لما توفيت أختها رقية ، زوجَّها النبي صلى الله عليه و سلم على عثمان بن عفان رضي الله عنه ، و ذلك في شهر ربيع الأول سنة 3هـ ، و أدخلت عليه في هذه السنة في جمادي الآخرة ، فلم تزل عنده إلى أن ماتت ، و لم تلد له شيئاً 1 . فهي بنت نبي كريم ، و زوجة رجل مبشر بالجنة ، تستحيي منه الملآئكة .
وقد وردت لها مناقب دلت على أنها ذات منزلة ومقام رفيع رضي الله عنها وأرضاها ، و هي كما يلي :
* ماذكره أبو عمر بن عبدالبر حيث قال : " وكان عثمان رضي الله عنه إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد كان سمع رسول الله يذكرها ، فلما بلغ ذلك رسول الله قال :" ألا أدل عثمان على من هو خير له منها ، و أدلها على من هو خير لها من عثمان " ، فتزوج رسول الله حفصة ، و زوَّجَ عثمان أم كلثوم " 2 .
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال : شهدنا بنتاً لرسول الله
قال :ورسول الله جالس على القبر قال : فرأيت عينيه تدمعان ، قال : فقال : " هل منكم رجل لم يقارف3الليلة " ، فقال أبو طلحة : أنا . قال : " فانزل " . قال : فنزل في قبرها 4.
قال الحافظ :" قوله شهدنا بنتاً للنبي صلى الله عليه وسلم هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد وأخرجه ابن سعد في " الطبقات "5 في ترجمة أم كلثوم ، وكذا الدولابي في " الذرية الطاهرة "6 ، وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه ، و رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك 7. قال البخاري : ماأدري ماهذا فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر ولم يشهدها . قلت : وهم حماد في تسميتها فقط ، و يؤيد الأول مارواه ابن سعد في ترجمة أم كلثوم8 من طريق عمرة بنت عبدالرحمن قالت :نزل في حفرتها أبو طلحة " 9 .
و من ذلك :
* مارواه ابن سعد في ترجمتها من أنها رضي الله عنها لما ماتت صلى على جنازتها النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى بإسناده إلى أسعد بن زرارة قال :صلى عليها رسول الله وجلس على حفرتها ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد10 .
فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان عليه الصلاة والسلام إمام المصلين على جنازتها وكفى بها منقبة وميزة شريفة لما في دعائه المبارك لها بالرحمة والمغفرة ورفع درجتها في الجنة رضي الله عنها وأرضاها , وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة 9 هـ 11.
_______________________________
1 الطبقات لابن سعد 8/37-39 , الذرية الطاهرة للدولابي ص 56 ,الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/463-465 , أسد الغابة 7/384 , سير أعلام النبلاء2/ 252-253, البداية والنهاية 3/346-347 , مجمع الزوائد 9/216-217 , الإصابة 4/466 .
2 الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/464 .
3 أي لم يجامع أهله . انظر : النهاية في غريب الحديث والأثر : 4/45 .
4 صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 3/151 والإمام أحمد في المسند 3/126 .
5 الطبقات الكبرى 8/38.
6 الذرية الطاهرة ص 60 .
7 المستدرك 4/47 .
8 الطبقات 8/38 .
9 فتح الباري 3/158.
10 الطبقات 8/39 .
11 انظر الطبقات 8/38 , البداية والنهاية 3/347 , الإصابة 4/466
الصبر صبران وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر فإنه لا بد منه والصبر صبران صبر عند الغضب وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه الله ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب وجرعة صبر عند المصيبة وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم والشجاع الشديد هو الذي يصبر على المؤلم والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تعدون الرقوب فيكم قالوا الرقوب الذي لا يولد له قال ليس ذاك بالرقوب ولكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ثم قال ما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا يصرعه الرجال فقال ليس بذلك ولكن الصرعة هو الذي يملك نفسه عند الغضب فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب قال الله تعالى في المصيبة وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون وقال تعالى في الغضب وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر المصيبة وصبر النعمة كما في قوله تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير وقال لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين رضي الله عنهم حيث قال لا يفرحون إذا نالت سيوفهم قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا وكذلك قال حسان بن ثابت في وصفه الأنصار رضي الله عنهم لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين الى تعدي الحدود بقلوبهم وأصواتهم وأيديهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لما قيل له وقد بكى لما رأى إبراهيم في النزع أتبكي وأنت تنهى عن البكاء فقال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية فجمع بين الصوتين وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه و سلم ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية و قال انا برىء من الحالقة والصالقة والشاقة وقال ان الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ولكن يعذب بهذا او يرحم وأشار الى لسانه وقال من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح واشترط على النساء في البيعة ان لا ينحن وقال إن النائحة اذا لم تتب قبل موتها فأنها تلبس يوم القيامه درعا من جرب وسربالا من قطران فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين الصوت الذي يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الإنسان فرحا فخورا والصوت الذي يوجب الجزع عند الحزن حتى يصير الإنسان هلوعا جزوعا وأما الصوت الذي يثير الغضب لله فكالأصوات التي تقال في الجهاد من الأشعار المنشدة فتلك لم تكن بآلات وكذلك أصوات الشهرة في الفرح فرخص منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف في العرس والأفراح للنساء والصبيان وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام الأربع وهي التشبيب وأشعار الغضب والحميه وهي الحماسة والهجاء وأشعار المصائب كالمراثي وأشعار النعم والفرح وهي المدائح والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع كما قال الله تعالى ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ولهذا أخبر أنهم يتبعهم الغاوون والغاوي هو الذي يتبع هواه بغير علم وهذا هو الغي وهو خلاف المهتدي كما أن الضال هو الذي لا يعلم مصلحته وهو خلاف المهتدي قال سبحانه والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فلهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعه وجنس السماحه إذ كان عدم هذين مذموما على الإطلاق وأما وجودهما ففيه تحصيل مقاصد النفوس علي الإطلاق لكن العاقبة في ذلك للمتقين وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضا كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينه قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم إلى قوله فاصبر إن العاقبة للمتقين وقال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين